الفتال النيسابوري
203
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
التابوت ، وألقي التابوت في اليمّ ، ففعلت ما أمرت به ، فبقي في التابوت واليمّ إلى أن قذفه في الساحل ، وردّه إلى امّه برمّته لا يطعم طعاما ولا يشرب شرابا معصوما - وروي أنّ المدّة كانت سبعين يوما ، وروي سبعة أشهر - وقال اللّه تعالى في حال طفوليّته : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ « 1 » الآية . وهذا عيسى بن مريم عليه السّلام قال اللّه عزّ وجلّ فيه : فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا إلى قوله : إِنْسِيًّا « 2 » فكلّم امّه وقت مولده ، وقال حين أشارت إليه : قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ « 3 » إلى آخر الآية فتكلّم عليه السّلام في وقت ولادته ، وأعطي كتاب النبوّة وأوصي بالصلاة والزكاة في ثلاثة أيام من مولده ، وكلّمهم في اليوم الثاني من مولده . وقد علمتم جميعا أنّ اللّه عزّ وجلّ خلقني وعليّا نورا واحدا ، وأنّا كنّا في صلب آدم نسبّح اللّه تعالى ، ثمّ نقلنا إلى أصلاب الرجال وأرحام النساء يسمع تسبيحنا في الظهور والبطون في كلّ عهد وعصر إلى عبد المطّلب ، وأنّ نورنا كان يظهر في وجوه آبائنا ، وامّهاتنا حتّى تبين أسماؤنا مخطوطة بالنور على جباههم ، ثمّ افترق نورنا ؛ فصار نصفه في عبد اللّه ، ونصفه في أبي طالب عمّي ؛ وكان يسمع تسبيحنا من ظهورهما ، وكان أبي وعمّي إذا جلسا في ملأ من قريش وقد تبيّن نوري من صلب أبي ، ونور عليّ من صلب أبيه إلى أن خرجنا من أصلاب أبوينا وبطون امّهاتنا .
--> ( 1 ) طه : 39 - 40 . ( 2 ) مريم : 24 - 26 . ( 3 ) مريم : 29 - 30 .